لغز في مطار روما: هل الفتاة الهاربة في برنامج “Border Control” هي ابنة الطبيبة السورية المختفية رانيا العباسي؟

في تطور مفاجئ أعاد قضية عمرها عقد من الزمن إلى دائرة الضوء، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية بمقطع فيديو مقتطع من برنامج وثائقي إيطالي شهير، ليحول مشاهد اعتقال روتينية في مطار إلى قضية رأي عام تثير الآمال والمخاوف في آن واحد. البرنامج الذي يحمل اسم “Border Control” (مراقبة الحدود)، والذي يعرض عادةً لحظات توثيقية لعمل شرطة الحدود في المطارات الأوروبية، رصد محاولة فتاة شابة الهروب بطريقة غير شرعية عبر مطار روما في عام 2022، وكانت برفقة شاب، قبل أن تتدخل السلطات الإيطالية لتوقفها وتعترض طريقها.
ما حول هذا المقطع العابر ضمن سلسلة حلقات البرنامج إلى قضية رأي عام مثيرة للانتباه، هو الشبه الكبير الذي لاحظه ناشطون سوريون وعرب بين ملامح الفتاة الظاهرة في التسجيل، وبين الطفلة “ديما”، ابنة الطبيبة السورية الشهيرة رانيا العباسي، التي اختفت قسراً مع عائلتها بالكامل على يد عناصر نظام بشار الأسد المخلوع قبل أكثر من عشر سنوات، في قضية هزت الرأي العام المحلي والدولي حينها وما زالت أصداؤها مستمرة حتى اليوم.
من هي رانيا العباسي؟ قصة بطلة اختفت خلف القضبان
لطالما كانت قصة الطبيبة رانيا العباسي واحدة من أكثر قصص الاعتقال إيلاماً في سجل الانتهاكات السورية. فرانيا لم تكن مجرد طبيبة أسنان عادية، بل كانت أيقونة وطنية في مجال الرياضة، إذ توجت بطلة لسوريا في لعبة الشطرنج عدة مرات، كما مثلت بلادها في المحافل العربية والدولية وحصدت ألقاباً لفتت الأنظار إلى موهبتها الفريدة. في عام 2013، اختفت رانيا مع زوجها عبد الرحمن ياسين وأطفالهما الستة، ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخبارهم تماماً، دون أن تتمكن أي جهة رسمية أو منظمة حقوقية من كشف لغز مصيرهم أو مكان احتجازهم، فيما ظلت الصور القديمة للعائلة المبتسمة شاهدة على مأساة عائلة سحبت من حياتها الطبيعية إلى المجهول.
الفيديو المتداول اليوم، والذي أعاد الأمل لعائلة العباسي، يظهر فتاة في العشرينيات من عمرها تقريباً، وهي تتعامل مع عناصر الشرطة الإيطالية في المطار بحالة من الارتباك والخوف، قبل أن يتم اتخاذ قرار بإعادتها على الأرجح إلى آخر نقطة انطلاق، والتي رجحت العائلة بناءً على معلومات الحلقة أن تكون اليونان. وقد دفع هذا المشهد الكثيرين إلى مطالبة الجهات المعنية والناشطين بالتحقق من هوية الفتاة بشكل عاجل، خاصة وأن مصير أبناء رانيا الستة لا يزال لغزاً محيراً، وأي خيط جديد قد يقود إلى كشف مصيرهم يعتبر بارقة أمل بعد سنوات طويلة من الانتظار القاسي والغموض المرير.
مناشدة حسان العباسي: “ديما تبكي وقلبي ينفطر”
لم يتأخر حسان العباسي، شقيق الطبيبة المختفية، في التفاعل مع المقطع المنتشر، فأعاد نشره عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، موجهاً نداء إنسانياً عاجلاً إلى كل من يشاهد الفيديو ويستطيع التعرف إلى الفتاة أو يمتلك أي معلومة مؤكدة عنها. وكتب حسان في منشوره المؤثر أن الفيديو يعود إلى عام 2022، وأن الفتاة الظاهرة فيه – بحسب ما ورد في سياق الحلقة – أعيدت بالفعل إلى اليونان، لكن ما حدث معها بعد ذلك لا يزال مجهولاً، مرجحاً أنها قد تكون حاولت مجدداً الوصول إلى وجهة أوروبية أخرى بطرق غير نظامية بحثاً عن الأمان أو لم شمل عائلتي.
لكن أكثر ما لفت الأنظار في منشور حسان هو تعبيره عن مشاعره الأبوية تجاه ابنة أخته، حيث كتب بأسى عميق: “رؤيتها تبكي في المقطع صدمني وأعاد إلى ذاكرتي مشهد اعتقال والدها واقتيادها مع أمها وإخوتها الصغار، وكانت بينهم الطفلة الرضيعة ليان، إلى جهة مجهولة، ذلك المشهد الذي لا يزال محفوراً في ذاكرتنا جميعاً”. وأضاف أن البكاء في الفيديو لم يكن مجرد بكاء فتاة خائفة من التوقيف، بل كان بكاءً محملاً بسنوات من الألم والمعاناة، مشيراً إلى أن الشبه كبير جداً بين الفتاة وبين ديما، ابنة أخته، التي فقدوا أثرها منذ لحظة الاعتقال المأساوية.
دعوة عاجلة للجالية السورية والجهات الرسمية
لم تقتصر جهود العائلة على مجرد النشر الإلكتروني، بل امتدت لتوجيه نداءات ميدانية إلى أبناء الجالية السورية المنتشرين في مختلف الدول الأوروبية، وخاصة في دول اللجوء الرئيسية مثل هولندا واليونان وألمانيا والسويد والنرويج، حيث من المحتمل أن تكون الفتاة قد توجهت إلى إحداها بعد ترحيلها من إيطاليا. ودعت العائلة كل من يمتلك معلومات مؤكدة أو حتى صوراً أو تفاصيل قد تساعد في التحقق من هوية الفتاة إلى التواصل المباشر معهم، مع التأكيد على ضرورة الابتعاد عن الشائعات أو الاجتهادات الشخصية غير الموثوقة التي قد تضر أكثر مما تنفع.
كما طالبت العائلة في ختام مناشداتها الجهات الرسمية المعنية، بما في ذلك المنظمات الدولية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين والسلطات الإيطالية واليونانية، بضرورة متابعة القضية بشكل جدي وإنساني، والبحث في سجلات اللجوء والترحيل لعام 2022، لعل وعسى أن يعثر على أي بصمة أو اسم أو صورة تؤكد ما إذا كانت ديما قد ظهرت فعلاً على شاشات البرامج الإيطالية قبل أن تختفي مجدداً في زحام طرق الهجرة الصعبة. وفي خضم هذه الأجواء المشحونة بالأمل والخوف، تبقى عائلة رانيا العباسي معلقة بين احتمالية لقاء قريب قد يحدث قريباً، وبين استمرار الكابوس الذي يطاردهم منذ أكثر من عشر سنوات، منتظرين أي خبر قد يضيء شمعة في نفق طويل من الغياب والانتظار.
